محمد باقر الملكي الميانجي

23

مناهج البيان في تفسير القرآن

إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا بعث ، كانت الصلاة إلى [ قبلة ] بيت المقدس فكان في أوّل مبعثه يصلّي إلى بيت المقدس جميع أيّام مقامه بمكّة ، وبعد هجرته إلى المدينة بأشهر . فعيّرته اليهود وقالوا : أنت تابع لقبلتنا ، فأنف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ذلك منهم فأنزل اللّه تعالى عليه وهو يقلّب وجهه في السّماء ، وينتظر الأمر « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ - إلى قوله - لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ » يعني اليهود في هذا الموضع ثمّ أخبرنا اللّه عزّ وجلّ بالعلّة الّتي من أجلها لم يحوّل قبلته من أوّل مبعثه ، فقال تبارك وتعالى : « وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها - إلى قوله - لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ » فسمّى سبحانه الصلاة ها هنا إيمانا . فإن قيل : إن المستفاد من قوله تعالى : « تَرْضاها » ، أنّ الرّسول ما كان راضيا بقبلة بيت المقدس الّتي جعلها له قبلة وكان كارها لها . قلت : عدم رضائه صلّى اللّه عليه وآله بقبلة بيت المقدس ليس أمرا مستنكرا حتّى يستوحش منه ، وقد سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في التخفيف عن أمّته في موارد شتّى قال تعالى : « رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » . [ البقرة ( 2 ) / 286 ] وقد استجاب اللّه دعوته وخفّف على أمّته ورفع عنهم . فلا عجب في أن يسأل وليّ من أوليائه تحويل حكم من أحكامه وقضاء من قضائه تكوينا أو تشريعا ، ورفعه وتبديله بحكم آخر وقضاء جديد يكون فيه فرجه وعافيته وقد ابتلي رسول اللّه بمردة اليهود وتعييرهم وإيذائهم وأصيب بتعرّضهم إيّاه والمؤمنين ، وقد صاروا فتنة عليهم ومحنة عليه صلّى اللّه عليه وآله . ومن العجيب ما ذكره الرازي في تفسيره 4 / 180 حيث قال : إنّه استأذن